الجنيد البغدادي

69

رسائل الجنيد

عين العارفين ، طوبى لمن عرفه وقصده ووصل إليه واكتفى به عن كل ما سواه ، ثم قلت لهم : ما تقولون إن قصدت إليه وآنست به عن كل ما سواه ؟ فقالوا لي بأجمعهم : وهل ينبغي لك غير ذلك ؟ وهل خلقك إلا لهذا ؟ وهل أمرك إلا بهذا ؟ وهل ينبغي لك شغل أحق ما اشتغلت به سوى هذا ؟ بخ . بخ ! إن كنت من أهل قربه وأنسه ومن أهل الانفراد به ، نعم ما هممت به ونعم ما نويت ، ونعم محبوبا إليه أتيت ، ونعم مقصودا ومطلوبا إليه دنيت وأويت ، بخ . بخ ! إن وفقك اللّه لهذا . فقلت لهم : من أين قلتم هذا ؟ قالوا : من قول اللّه تعالى عز وجل : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [ الزمر : 54 ] الآية ، وقوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [ الحج : 78 ] وغير ذلك من الآيات في القرآن كثيرة . قلت : فإن سئلتم عن هذا ألف سنة هل عندكم من جواب غير هذا ؟ قالوا : لا ، ثم إني أقبلت على النفس والهوى وجميع أعوانهما ، وقلت : إني إن قصدت إلى ربى فهل تساعدوني ، حتى أتخذه جليسا وأنيسا وصاحبا وحبيبا من غير أن ألتفت عنه إلى الدنيا ؟ قالوا : لا ، قلت : لماذا وهو سيدنا ومولانا الحاصل منه كل شيء ، ولا بد لنا منه في الدارين ؟ فقالوا : إن اللّه تعالى خلقنا من ظلمات الدنيا ، وربّانا بها ونحن محتاجون إلى شهواتها وراحاتها ولذائذ عيشتها ، وأنواع زينتها ، والتمتع بطيب نعيمها ، وبقاؤنا بها وفقدنا من فقدانها ، فقلت : ويحكم ! أما ترون إلى زوال الدنيا وفنائها وتقلبها بأهلها ، أما تعتبرون بما مضى منها عليكم وعلى من دونكم كيف أدبرت عنكم وعنهم وصارت كأن لم تكن قط وبقيت تبعاتها ؟ أما تتفكرون في وعد اللّه ووعيده وأمره ونهيه وإلى ما دعاكم إلى نفسه وحذركم عن الانشغال بها ! فقالوا : أيها العبد القاصد إلى مولاك وحبيبك لا تشتغل بتطويل الكلام . ثم إني أقبلت إلى الروح والعقل ، مع جميع أعوانهما وقلت : إني إن قصدت إلى ربي على أن أخدمه على محبته لا لجنته ، وأذكره تقربا لا لثوابه ، وأتخذه رئيسا وجليسا من غير أن ألتفت منه إلى عطائه ومواهبه فهل أنتما تساعداني فيها وتوافقاني عليها ؟ قالا : لا . قلت : لماذا لا تساعداني فيها وتوفقاني